ابن فرحون

14

تاريخ المدينة المنورة ( نصيحة المشاور وتسلية المجاور ) ( ط بيروت )

قال علماؤنا رضي اللّه عنهم : يستحبّ اتّخاذ موضع من المسجد للقاضي والعالم والمفتي ، حتى إليهم ينتهي المستفتي ، وبذلك قال علماء الحنفية . قال مؤلف « الاختيار في شرح المختار » : ويجلس للقضاء جلوسا ظاهرا في المسجد ؛ لأنّ رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم كان يفصل بين الخصوم في المسجد ، وكذا الخلفاء الراشدون من بعده ، ودكّة عليّ بن أبي طالب رضي اللّه عنه في مسجد الكوفة إلى الآن معروفة . قال صلى اللّه عليه وسلم : « إنما بنيت المساجد لذكر اللّه تعالى وللحكم » ، ولئلا يشتبه على الغرباء مكانه . انتهى كلامه . ونقل القاضي عياض - رحمه اللّه تعالى - عن ابن المنذر أن مالك بن أنس كان له موضع في المسجد ، قال : وهو مكان عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه ، وهو المكان الذي كان يوضع فيه فراش النبي صلى اللّه عليه وسلم إذا اعتكف ، كذا قال الأويسي . ونقل أهل السّير « 1 » : أنّ النّبيّ صلى اللّه عليه وسلم كان إذا اعتكف في رمضان طرح فراشه وراء أسطوانة التوبة ، وروى الطبرانيّ في « معجمه » عن ابن عمر رضي اللّه عنهما أنّ ذلك ممّا يلي القبلة يستند إليها . وفي كتاب « إقليد الإقليد المؤدّي إلى النّظر السّديد » من كلام الشّيخ الإمام الحافظ أبي بكر محمد بن أحمد بن حمزة : إنّ اتّخاذ العلماء المصاطب والمنابر جائز في المسجد للتّعليم والتّذكير ، وهم أحقّ بها . وممّا رويته بسندي إلى الزّبير بن بكّار قال : حدّثني محمد بن إسماعيل قال : رأيت طنفسة كانت لعبد اللّه بن الحسن بن الحسين تطرح قبالة المنبر على مرمر كان هناك ، قال : فحبس عبد اللّه بن الحسن سنة أربعين ومائة ، وبقيت الطّنفسة بعده أياما ، ثمّ رفعت ، ثمّ إن الحسن بن زيد بن الحسن بن عليّ بن أبي طالب رضي اللّه عنهم أيام كان واليا على

--> ( 1 ) انظر ذلك في « سبل الهدى والرشاد » 8 / 439 ، وانظر الحديث في « سنن ابن ماجة » 1 / 564 ( 1774 ) .